مشكلة التقويم في الدرس الفلسفي...

مشكلة التقويم في الدرس الفلسفي...

بقلم : محمد النصير - جريدة الوسائط الاخبارية 

 

   في سياق التطور الذي عرفه الدرس الفلسفي في المغرب أصبح في صيغته الحالية يعتمد على المفاهيم، بوصفها موضوعا للتفكير، لكن الدرس الفلسفي تتقاسمه مقاربتين: الأولى تعتمد على منطق الأطروحات، و الثانية تعتمد على المفاهيم و القضايا المرتبطة بها، لكن المقاربة الأطروحاتية أصبحت مقاربة تقليدية بالنظر إلى التحولات العميقة التي يعرفها تدريس الفلسفة كمادة مدرسية في المنهاج الدراسي الجديد الذي يعتمد نظام المجزوءة ، و لم يعد الدرس الفلسفي يعتمد على إعادة إنتاج الأنساق  و المذاهب الفلسفية الكبرى، في وقت أصبح فيه الحديث عن تعلم التعلم، حيث لم يعد يهمنا ماذا يعرف التلميذ؟ بقدر ما يهمنا كيف يعرف؟ و أصبح من الضروري في درس الفلسفة تحليل النصوص و الأنساق و الخطابات و نقدها، خصوصا أن المقاربات البيداغوجية الحديثة تركز على تنمية المهارات في بناء المعرفة، مما يجعل المتعلمين و المتعلمات في قلب العملية التعليمية التعلمية، لأن التلميذ شريك أساس و فاعل في بناء الدرس، عكس المقاربات التقليدية التي تعتبر المتعلم وعاء فارغ يجب على المدرس شحنه بالمعرفة الجاهزة، و نحن اليوم في عصر الانفجار المعرفي يتعلم التلميذ من أقرانه و من المدرس و من محاولاته الذاتية، كما أن المدرس أصبح فردا من أفراد جماعة القسم يمكن أن يفوقه بعض المتعلمين في الاستراتيجيات الذهنية و في الموهبة و الحس الابداعي، لقد فطن السادة الأساتذة لهذه القضية و أصبح الكل مقتنعا بضرورة تنويع أساليب التربية و التعليم، و تعدد الأماكن و الطرق، لكن لازال أغلب المدرسين يعتمدون في التقويم المقاربة بالأهداف رغم أنها مقاربة عفى عنها الزمن، كما أنها مقاربة تمنع المتعلمين و المتعلمات من الابداع و البصمة الشخصية،  حيث لازلنا في عصر الانفجار المعرفي نسمع عبارات من قبيل : " إلا ما درتيش الموقف ديال فلان هزك الما" عندما يخاطب المدرس  التلاميذ بهذا الكلام فإنه  يقتل فيهم حس الابداع و النقد و يخنق ابتكارهم، فالفلسفة كمادة مدرسية عليها أن تمكن المتعلمين و المتعلمات من قدرات الفهم و التحليل و النقد و مقارعة الحجة بالحجة، لأن الاشتغال بالأساليب الجامدة و الطرق النمطية لا يمكن أن يدفع بعملية التفكير إلى الأمام، لذلك فتدريس الفلسفة اليوم ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار حدس و شطارة المتعلمين و المتعلمات، و احترافيتهم و قدرتهم على الغوص الى أعماق القضايا و الظواهر، بدل تقييدهم بطرق نمطية و قوالب جاهزة، ولما كان الدرس الفلسفي" ورش يدخله العقل ليشتغل" بتعبير إدغار موران، فإن تحليل ونقد و مناقشة القضايا الفلسفية تحتاج إلى دفع المتعلمين و المتعلمات  إلى الكشف عن ما يؤسس لأفكارهم من خلال اليومي، لأن الفلسفة لابد أن تواكب حركية العصر، و قد فطن الفاعل التربوي على مستوى الجهات المسؤولة، خصوصا المفتشية المركزية لمادة الفلسفة، و المركز الوطني للتقويم و الامتحانات، لذلك نجد أن المذكرات الوزارية المنظمة للتقويم - يتعلق الأمر بالمذكرة 159المتعلقة بالأطر المرجعية للامتحان الوطني الموحد الصادرة بتاريخ 27 دجنبر 2007 ، و المذكرة الوزارية 142.04 بتاريخ 16 نونبر 2007 بشأن التقويم التربوي بالسلك الثانوي التأهيلي لمادة الفلسفة – هذه المذكرات تشير إلى ضرورة تحليل القضايا الفلسفية وفق منطق يعتمد لحظات أساسية ( الأشكلة- المفهمة- الحجاج)  كما تعتمد  أربع لحظات أساسية للإنشاء الفلسفي ( الفهم – التحليل – المناقشة – التركيب ) و هذا ما تقره كذلك وثيقة التوجيهات التربوية و البرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بالسلك الثانوي التأهيلي، هذه الوثائق تسعى إلى أن تجعل من الدرس الفلسفي سبيلا لبناء و تنمية كفايات و قدرات الفهم و التحليل و المناقشة و النقد و الحوار...وفق منطق خطي ينتقل بالمتعلمين و المتعلمات من البسيط إلى المركب ، خلال مسارهم الدراسي من الجدع المشترك إلى الثانية بكالوريا.

رغم كل هذا التأثيث النظري لازال الدرس الفلسفي عموما ، والكتابة الانشائية الفلسفية على الخصوص، في مخاض عسير بسبب طغيان بعض التصورات و التمثلات التي ينتجها  مدرسي الفلسفة حول المادة، فنجد البعض يصحح انتاجات التلاميذ كأنه يصحح منتوج لفيلسوف أو أديب، كما أن هناك تمثلات و أوهام ديداكتيكية تجعل البعض يرفض إمكانية حصول التلميذ على نقطة 20/20 في الامتحان و كأن الفلسفة ليست مادة مدرسية، بل نجد أحيانا مدرس الفلسفة لا يتحدث إلا باسم الفيلسوف الفلاني أو التيار الفلاني، و يحاسب المتعلمين و المتعلمات إيديولوجيا، حيث لا يحق للتلميذ أن ينتقد التصور الذي يتقمصه هذا المدرس،  كما أن تصحيح إنجازات التلاميذ تعترضه مشاكل منهجية ترتبط بالتأويل الخاطئ للمذكرات الوزارية و الاطر المرجعية الخاصة بالتقويم، حيث أن المذكرة 159 فتحت إمكانيات تأويل بعض عناصر الكتابة الانشائية و قد فطنت الجهات الوصية إلى هذا الأمر، مما دفع بالوزارة إلى تحيين الأطر المرجعية من خلال إصدار المذكرة الوزارية رقم 093/14 الصادرة بتاريخ 25 يونيو 2014 في شأن الأطر المرجعية المحينة لمواد الامتحان الوطني الموحد للباكالوريا – 2014- مادة الفلسفة، و قد استهدفت هذه الأطر المرجعية اعتماد معيار وطني موحد لتقويم مواضيع الامتحانات الاشهادية، و تدقيق الأساس التعاقدي للامتحان بالنسبة لجميع الأطراف المعنية من مدرسات و مدرسين و تلميذات و تلاميذ و لجن إعداد المواضيع، وقد جاءت هذه الأطر المرجعية للحسم في بعض القضايا الجزئية  العالقة التي كانت في الماضي موضع شد الحبل بين بعض المدرسين، منها مثلا لحظات التحليل كانت تعتمد على المفاهيم ثم الأطروحة و الحجاج، لكن الآن أصبح الاشتغال على الأطروحة أولا قبل المفاهيم، كما أن الوقوف عند صيغة السؤال لم تعد مهمة، بالإضافة إلى اعتماد تحديد الموضوع بدل تأطيره في لحظة الفهم، و خلاف ذلك من النقاط العالقة، كما أضافت معايير الاجابة و سلم التنقيط للامتحان الوطني مند دورة يونيو2015 عناصر جديدة لم تكن ذات أهمية قبل تحيين الأطر المرجعية كالاشتغال على الرهان، و أهمية التركيز على تطوير الأطروحة و نقدها في المناقشة بدل استعراض مواقف الفلاسفة، و الأهم من هذا هو اعتماد التنقيط الجزئي لتحقيق أكبر قدر من المصداقية و ضمان تكافؤ الفرص في الامتحانات، ورغم كل هذه المجهودات لازال بعض المدرسين ينشرون الرعب في صفوف المتعلمين و المتعلمات بعبارات من قبيل " لي كتب بالمنهجية ديال فلان ماعندوش المعدال" رغم أن الهدف من الاطر المرجعية هي توحيد المعايير المعتمدة في التقويم، و أن منهجية الكتابة الفلسفية منهجية تحددها الأطر المرجعية للمادة، و عناصر الإجابة و سلم التنقيط للامتحان الوطني، كما ينبغي الاعتراف أنه لا توجد منهجية واحدة تخنق ابتكار المتعلمين و المتعلمات، بل يمكن للتلميذ أن يضيف كل ما يراه مناسبا، لكن مثل هذه الممارسات القدحية تدفع المتعلمين و المتعلمات إلى اعتماد الكتابة النمطية، و أصبح من الشائع أن التلميذ يكتب في الامتحان لإرضاء المدرس لتتلاشى بذلك قدرته على الخلق و الابتكار، لذلك لا يمكن تطوير الدرس الفلسفي من دون القطع مع الممارسات الخبيثة لبعض المدرسين الذين يعانون أزمة موضوع داخل القسم، أثناء تدخلاتهم الصفية فيدفعهم الأمر إلى محاولة إفشال التجارب الناجحة لزملائهم.

     وتجدر الاشارة إلى أن  التوجيهات التي تقدمها عناصر الإجابة للامتحان الوطني تبين أن هناك وعي من طرف الجهات  المسؤولة بوجود خلل في عملية تصحيح منتوج المتعلمين، و أن هناك تمثلات خاطئة تسيطر على بعض المدرسين، و يتم التنبيه إلى هذا  الأمر في عناصر الاجابة هكذا : " يتعين على السادة المصححين مراعاة سلم التنقيط الذي يتراوح ما بين 00/20 و 20/20، وذلك لأن التقويم في مادة الفلسفة هو أساسا تقويم مدرسي، و بالتالي فمن غير المقبول قانونيا و تربويا أن يضع المصحح سقفا محددا لتنقيطه، يتراوح مثلا ما بين 00/20 و 15/20 بناء على تمثلات خاصة حول المادة، سيما أن الأمر يتعلق بامتحان إشهادي محكوم بإطار مرجعي يتوقف عليه مصير المترشح" .

loading...

البحث

آخر المواضيع

الجريدة في عطلة إلى حين إصدار مرسوم التمديد الخاص بالصحافة

(التفاصيل...)

ازيلال : عمالة الاقليم تخلد اليوم الوطني للمهاجر بشلالات اوزود

(التفاصيل...)

إطلاق أغنية "الصحراء مغربية" من باناما بمشاركة فنانين مغاربة (فيديو )

(التفاصيل...)

ازيلال : عامل الاقليم يترأس حفل اختتام فعاليات مهرجان ايت سيدي محند أُمحند بواويزغت

(التفاصيل...)

أزيلال : إعلان لعموم الطلبة والتلاميد

(التفاصيل...)

صوت و صورة

ازيلال : وزيرة الماء و عامل الاقليم يعقدان لقاء تواصليا مع المنتخبين حول أزمة الماء و الخصاص ( فيديو)

(التفاصيل...)

ازيلال : حديقة 20 غشت شلالات اصطناعية ساحرة و حلة جديدة ( فيديو + صور)

(التفاصيل...)

" ليلى الكوشي " تغني جنبا إلى جنب مع لطفي بوشناق بمهرجان شفشاون (فيديو )

(التفاصيل...)

ازيلال : عامل الاقليم يترأس حفل الانصات للخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى الثامنة عشر لعيد العرش المجيد ( النص الكامل للخطاب الملكي السامي _ فيديو )

(التفاصيل...)

اكادير : جمعية تقود أكبر حملة لتعقيم الكلاب الضالة بالمغرب ( فيديو )

(التفاصيل...)

صفحة الفيسبوك

آخر التغريدات

درجات الحرارة وأحوال الطقس

مواقيت الصلاة

الإشتراك عبر البريد الإلكتروني

قم بإدخال بريدك الإلكتروني لتصلك جميع مستجدات الموقع. يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت.

loading...
loading...